الأربعاء, يونيو 10
[gtranslate]

قبل أن تضغط على زر الإعادة، اسأل نفسك سؤالاً واحداً: هل أنت متأكد؟

لا يبدو السؤال كبيراً. لكنه في واقع الأمر يفصل بين شخصٍ يُسهم في الحقيقة وآخر يُسهم في تدميرها. في عالم يتحرك فيه المحتوى بسرعة البرق، وتُضاعف فيه خوارزميات الذكاء الاصطناعي كل تفاعل لتبلغه آلاف الأشخاص في دقائق، أصبح “النقل الأعمى” للشائعات فعلاً أخلاقياً بامتياز، لا مجرد سلوك بريء.

حين يصبح الإصبع أسرع من العقل

يميل الإنسان بطبيعته إلى الاشتراك في الأخبار المثيرة. هناك شيء ما في دماغنا يشعل دافعاً فورياً حين نقرأ خبراً صادماً أو كاشفاً؛ دافع يقول: “يجب أن يعرف الناس هذا!”. هذا الدافع لم يكن ضاراً حين كانت الرسالة تنتقل بين أفراد الحي. أما اليوم، حين تنتقل الرسالة ذاتها عبر منصات رقمية تضم مئات الملايين، فالحجم يُغيّر كل شيء.

المشكلة ليست في أن الناس سيئون. المشكلة أن آليات النشر صارت أسرع بكثير من آليات التفكير. تصلك رسالة في الواتساب، تحتوي معلومة مثيرة، وأسفلها جملة: “انشر قبل الحذف”. لا وقت للتأمل، لا رابط للمصدر، لا اسم لمن كتب. فقط دافع الإنعام على الآخرين بمعرفة ما “أنت تعلمه”. فتضغط إعادة التوجيه. وفي تلك اللحظة القصيرة، صرت شريكاً في القصة.

الذكاء الاصطناعي: مُضخّم للحقيقة ومُضخّم للكذب معاً

لم يُفرز الذكاء الاصطناعي مشكلة الشائعات، لكنه أضاف إليها بُعداً مرعباً جديداً: القياس اللانهائي.

تعمل خوارزميات التوصية على مبدأ أن المحتوى الذي يثير التفاعل يستحق الانتشار. والشائعات المثيرة تثير تفاعلاً استثنائياً؛ غضباً، دهشة، إشفاقاً، جدلاً. فيُغذيها النظام ويُوزعها على دوائر أوسع تلقائياً دون أن يُفرق بين صواب وخطأ. نعم، بعض الشركات تحاول تصحيح هذا المسار، لكن الوتيرة لا تزال تميل لصالح الإثارة على حساب الدقة.

والأخطر من ذلك أن الذكاء الاصطناعي التوليدي باتَ قادراً على صياغة محتوى زائف بلغة طبيعية مقنعة؛ مقاطع صوتية منسوبة لأشخاص لم ينطقوا بها، صور لأحداث لم تقع، تقارير تبدو رسمية لكنها مُلفّقة بالكامل. الناقل الأعمى اليوم قد يكون ينشر ما لم يصنعه إنسان أصلاً.

ما الذي يحدث حقاً حين تنقل شائعة؟

يعتقد كثيرون أن نقل شائعة هو مجرد “مشاركة معلومة”. لكن الحقيقة أعمق من ذلك. حين تُعيد نشر خبراً لم تتحقق من صحته، فأنت فعلياً تفعل ثلاثة أشياء في آنٍ واحد:

  • تُضفي مصداقيتك الشخصية على المعلومة. من يعرفك سيرى اسمك قبل أن يرى المحتوى، وسيُعطي المعلومة وزناً بناءً على ثقته بك.
  • تُوسّع الدائرة الانتشارية. كل شخص يستقبل المحتوى منك يصبح نقطة إطلاق جديدة لموجة انتشار أخرى.
  • تجعل التراجع شبه مستحيل. الاعتذار اللاحق لا يلحق بكل من رآه. الكذبة تسبق التصحيح دائماً.

حين تطال الشائعة أشخاصاً حقيقيين

ما يجعل النقل الأعمى قضية أخلاقية وليس مجرد خطأ معلوماتي هو أن وراء كل شائعة إنساناً.

طبيب شاع عنه خطأ طبي لم يرتكبه، فأغلق عيادته خوفاً على سلامته. رجل أعمال تداولت عنه معلومة مالية مفبركة، فانهار نظرة الشركاء إليه. فتاة نُسبت إليها صور ليست لها، وقضت أشهراً في محاولة إثبات هويتها. هذه ليست أمثلة تجريدية؛ هي وقائع تتكرر يومياً في كل مجتمع رقمي.

الفارق بين من يقف أمام قاضٍ بتهمة الاستهداف المتعمد، وبين من يُرسل رسالة دون أن يفكر، قد يكون صغيراً من حيث النية. لكنه متساوٍ من حيث الضرر الفعلي.

قاعدة ذهبية للعصر الرقمي

ليس المطلوب أن تصبح محقق استخبارات قبل كل مشاركة. المطلوب أشياء أبسط بكثير يمكن تلخيصها في أسئلة ثلاثة:

  • من مصدر هذه المعلومة؟ إذا لم يكن ثمة مصدر يمكن التحقق منه، فالخبر لا يستحق المشاركة.
  • هل تحقق هذا الشيء فعلاً؟ الإثارة وحدها ليست دليلاً. أكثر ما يبدو صادماً وحقيقياً هو ما يُصنع خصيصاً ليبدو كذلك.
  • ماذا لو كان خاطئاً؟ تخيّل الأذى المحتمل على الطرف الآخر. إذا كان الضرر المحتمل كبيراً، والتحقق غير موجود، فالصمت واجب أخلاقي.

الصمت أحياناً هو أشجع موقف

ثمة ثقافة ضمنية تربط مشاركة الأخبار بالوعي والاهتمام، وكأن من لا يُعيد نشر الأحداث يعيش في غيبوبة. لكن هذه المعادلة مقلوبة تماماً. الوعي الحقيقي هو أن تعرف متى تصمت. أن تمنح نفسك حق الشك. أن تقول: “لا أعرف” بدل أن تقول: “لا يهم، انشر”.

في عصر الذكاء الاصطناعي تحديداً، حيث يستطيع كل شخص أن يصل إلى ملايين الأشخاص بضغطة زر، تصبح ضبط النفس قبل المشاركة فعلاً أكثر شجاعة من الضغط السريع. لأن الأسهل دائماً هو الإعادة. والأصعب دائماً هو التوقف.

مسؤوليتنا الجماعية

لن تُوقف الحكومات وحدها انتشار الشائعات. ولن تكفي خوارزميات التدقيق الآلي مهما تطورت. المعركة الحقيقية تُخاض بقرارات فردية صغيرة تتخذها أنت وأنا في لحظات التردد اليومية. كل مرة تتوقف فيها وتتساءل قبل أن تُعيد النشر، أنت تُقاوم موجة ضخمة. وكل مرة تتجاهل الشك، أنت تُغذيها.

المسؤولية الأخلاقية لا تنتظر قانوناً. إنها قرار يُتخذ قبل أن تبدأ الأضرار.

الأمانة الرقمية ليست خياراً اختيارياً في عصر الذكاء الاصطناعي. إنها الحد الفاصل بين شخص يُضيف للمجتمع وآخر يأكل منه دون أن يدري.

شاركها.

مؤسس شبكة الوتين – من هواة التصوير الفوتوغرافي – مصمم مواقع – مصمم جرافكس – باحث في الإدارة والتخطيط حاصل على ماجستير الإدارة – جامعة الملك سعود – متقاعد. مساعد مدير عام مركز المبادرات النوعية سابقاً. رئيس لجنة التطوير المستمر وتجويد الأداء في وزارة التعليم سابقاً. مشرف عام التخطيط والسياسات في وزارة التعليم سابقاً.

اترك تعليقاً

Exit mobile version
نظرة عامة على الخصوصية

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط حتى نتمكن من تزويدك بأفضل تجربة مستخدم ممكنة. يتم تخزين معلومات ملفات تعريف الارتباط في متصفحك وتقوم بوظائف مثل التعرف عليك عند عودتك إلى موقعنا على الويب ومساعدة فريقنا على فهم أقسام الموقع التي تجدها الأكثر إثارة للاهتمام ومفيدة.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية للغاية

يجب تمكين ملفات تعريف الارتباط الضرورية للغاية في جميع الأوقات حتى نتمكن من حفظ تفضيلاتك لإعدادات ملفات تعريف الارتباط.