في زمنٍ باتت فيه الشاشات نوافذنا الوحيدة إلى العالم، وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحاتنا العامة البديلة، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على واقعنا: هل نحن نتحاور حقاً، أم أننا انخرطنا في معارك كلامية مستعرة لا رابح فيها؟
فضاء رقمي بلا أعراف
لم تكن المجالس العربية يوماً مجرد مساحات للجلوس، بل كانت مدارس يتعلّم فيها المرء أصول الأدب وتتحقق فيها حكمة النضج الفكري. غير أن “المجلس الافتراضي” اليوم يمر بأزمة هوية خانقة؛ فبينما يمنح الإنسان قدرة خارقة على مخاطبة الملايين في ثوانٍ معدودة، يسلب منه في الوقت ذاته تلك اللحظة الثمينة: أن يفكر قبل أن يتكلم.
الأزمة هنا لا تكمن في التكنولوجيا كأداة، بل في طريقة تطويعنا لها. لقد حوّلنا هذه المنصات من جسور للتواصل إلى ميادين للصراع, ومن منابر لتبادل المعرفة إلى حلبات للتشهير وتصفية الحسابات، حتى ليخال للمتصفح أحياناً أنه ولج سوقاً للمشاحنات والخصومات، لا مساحة للنقاش العاقل.
“التشنّج الرقمي”.. عندما تصبح الإثارة بضاعة
يتحدث علماء الاتصال اليوم عما يسمونه “التشنج الرقمي”، وهو ذلك الميل المتزايد لدى المستخدمين نحو الاندفاع العاطفي الفوري، ورفض الرأي المخالف تماماً، مع تضخيم الخلافات العابرة حتى تستحيل عداواتٍ مستحكمة. والمقلق في الأمر ما تكشفه الدراسات من أن المحتوى الاستفزازي والعدائي يحظى بتفاعل يفوق بثلاثة أضعاف نظيره الهادئ والرصين؛ وهو ما دفع الكثير من المنصات —بقصد أو بغير قصد— إلى ضبط خوارزمياتها لتعزز هذا التشنج وتضمن بقاء شعلته متقدة.
ومما يزيد المشهد تعقيداً، أن العزلة خلف الشاشات تمنح البعض شعوراً وهمياً بالأمان والتحلل من المسؤولية الأخلاقية؛ فيطلق المستخدم من وراء اسمه المستعار أو شاشته الصامتة كلماتٍ جارحة، ما كان ليجرؤ يوماً على فوه بها لو كان يواجه صاحبه وجهاً لوجه.
قيمنا الأصيلة.. بوصلة في تيه الرقمية
إن العودة إلى تراثنا التربوي والفكري تكشف لنا عن كنوز خالدة في أدب الحوار؛ فالحوار الأصيل في جوهره الإنساني والإسلامي يقوم على الإنصات قبل الرد، وعلى محاولة الفهم قبل إطلاق الأحكام، وعلى تقديم الاحترام كأرضية ثابتة قبل البدء في بسط الاختلاف. واستحضار هذه المعاني اليوم ليس ترفاً فكرياً، بل هو طوق نجاة أخلاقي.
ولعلنا بحاجة اليوم إلى صياغة “دستور غير مكتوب” للتعامل الرقمي، يرتكز على مبادئ بسيطة لكنها عميقة:
- الإنصات الفعّال: أن نقرأ ما يكتبه الآخر بعقل منفتح لاستيعاب وجهة نظره، لا بعين تترصد الثغرات لتجهيز الرد المضاد.
- الفصل بين الفكرة وقائلها: فنقد الآراء وتفكيكها حق مشروع للجميع، أما النيل من كرامة الأشخاص وتجريحهم فهو انحدار أخلاقي.
- مرونة الوعي: الإيمان بأن بعض القضايا تحتمل وجوهاً متعددة، وأن الاعتراف بالمسائل المعقدة دون إطلاق أحكام قاطعة هو دليل نضج لا مظهر ضعف.
- مساءلة الذات: أن يسأل المرء نفسه قبل الضغط على زر النشر: “هل ما سأكتبه يضيف قيمة ويجلب نوراً، أم أنه مجرد وقود يزيد من حرارة التعصب؟”
مسؤولية مشتركة.. من الأسرة إلى المدرسة
لا يمكننا رمي ثقل هذه الأزمة على عاتق الفرد وحده؛ فالمنظومة التعليمية شريك أساسي في صياغة ثقافة الحوار. المدارس اليوم مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بتضمين مفاهيم “المواطنة الرقمية الأخلاقية” في مناهجها، ليتعلم الجيل الناشئ كيف يتعامل مع هذا الفضاء بوعي ومسؤولية.
وفي المقابل، تقع على الأسرة المسؤولية الأكبر من خلال تقديم “القدوة الحية”؛ فعندما يرى الأبناء كيف يختلف الآباء في بيوتهم برقي، وكيف يتراجعون عن الخطأ دون شعور بالهزيمة، وكيف يحترمون الإنسان وإن اختلفوا مع فكرته، ينشأ جيل محصن ضد ابتذال الشاشات.
نحو فضاء يشبه قيمنا
الفضاء الرقمي ليس مستنقعاً موحشاً بطبيعته، بل هو مرآة عاكسة لنفوس مستخدميه. وقد أثبتت تجارب عديدة أن الحوار الراقي ممكن، وأن النقاشات الثرية قادرة على النمو والازدهار متى ما توفرت لها البيئة الواعية.
الرحلة تبدأ بخطوة فردية وقرار واعي: أن يلتزم كل منا في مجلسه الافتراضي بذات الأخلاق والتحفظ التي يلتزم بها في مجلسه الحقيقي بين أهله وأصحابه. بهذا الاختيار البسيط، نعيد للكلمة كرامتها، وللحوار إنسانيته، ونحمي مجالسنا الرقمية من أن تتحول إلى ساحات للخراب الفكري.
قديماً قالوا:
“خير الكلام ما قلّ ودلّ”..
وفي زماننا هذا نقول: خير الحوار ما أنار العقول ولم يؤجج النفوس.
“`
